في أيامِ خريفٍ عاصِف، ونسماتٍ متبعثِرة، محملة بعطرِ الغائِبين..
هنالكَ جارتي(هي فتاةٌ في ريعانِ الشباب، جميلةٌ، ولكن قد غزا الشيبُ شعرها الحريري، حزينة جداً، ممتلئة ملامحها بِأثارِ الكدمات وعلامات البؤسِ) تسكنُ بِمفردها في بيتٍ فقير ولا يزورها أحد، يساندها بعضُ الرجال وتكتفي النساء بالبكاء عليها فقط.....
كلُ يوم، عند الساعة السادسة صباحاً، تخرجُ جارتي مِن مسكنِها الهاوي، وهي ترتدي السواد، حاملة معها حقيبة تحوي في داخلِها نجوم عديدة..
تتجولُ في أزقةِ المدينة، هنا وهُناك، كأنها باحثةٌ عن مأوى ليحوي أشلائِها، المجزئة مع كل ذِكرى لم تستوعب فقدانِها على أرضِ الواقع، لِتروي يومها بالحياةِ ولو كانَ عبثاً..
في الأرجاءِ مُسرعةً، مذعورةً من عدمِ تلاقيها مع أحبائِها. وكانت تضعُ نجمة إلى كُلِ مكانٍ تقصدهُ، على أمل اللقاءِ قريبًا، فتارةٌ تضعها في كتابٍ مفتوح يملأه الغبار مُنتظِراً قارِئهُ،
أو في مدرسةٍ قديمة على إحدى الرحلاتِ الخالية،
وتارةٌ في متنزهٍ للأطفال، ماسكة قضبان الأرجوحة لتأرجحها، واضِعة فيها إحدى نجماتِها الطفولية ناظِرة إليها بعينيها الدامعتين،
وتارة على زاوية طاولة الطعام التي باتت موحشة ومُظلِمة، وتارةٌ في حديقةِ غناء تسحقُ بأقدامِها على أوراقِ أشجارِ الخريف الميتة لتغتاظ بسرعة، فتأخذُ حجراً من الأرضِ وتنقشُ على أغصانِ الاشجارِ اسماءً عديدة، ترددها في ذهنِها كل يوم.
وتارةٌ على جدرانِ المدينة، تكتب ١٥، ١٧، ١٨، ٢٠، ٢٥، ٣٠، وكأنها تُشير لتاريخِ أيام! أو رُبما أعمار!
وَتمضي في كُلِ الأرجاءِ باحثةً عما فقدتهُ في وجوهِ العابرين لَعلها تجدُ ما يَحوي ضياعها، إلى أن يهزلَ جسدَها وتجحرُ عينيها، لتُنهي مسيرها في آخرِ الليلِ على جانبِ البحر تتربعُ على رمالهِ الباردة وتسكنُ روحها، وتجمع كم نجمة في اليوم أعطت! تستذكر أيامها مع أُنسائها في بؤسِها وهم أحبائها الذين فارقوها وهي في مقتبلِ العمر، الذين طالما رجت يومًا أن تلقاهم ولو في حلمٍ عابِر..
فَتلامسُ موجات الماء أطراف أصابعها لِيوحي بقدوم خيال أحدهم من وسط البحر، بريقٌ لأحد النجوم، تناديهُ بعلوِ صوتها المرتجف لعلهُ يجيبها ولكن بلا جدوى...تستمر هكذا كل ليلةٍ حتى الليلةِ التي أدركت بها أن عدد النجوم التي احصتها بلغ سبعَمئةِ نجمةٍ، فتشرد قليلًا بهذا الرقم(يا رباه، أنهُ عددٌ هائل، يا تُرى متى سأكتفي بالعطاء!)
حتى تصفعها موجة دافئة مع نسمةٍ هادئة لترى من خلالها ما يقرُ عينها، الذين طالما تمنت أن تراهم يوماً.. وهم سبعمائة شهيد، سبعمائة أسم، سبعمائة عمر، سبعمائة حلم، سبعمائة بسمة، سبعمائة أبن، أخ، حبيب، زوج، سبعمائة مضحي في سبيلِ الحياة في وطن اللاحياة.....
لتناديهم من بعيد: هَموا إلي، انتشلوني من وحدتي لعلي أُحيي معكم ما تبقى من ربيع أيامي !
لتفيق من وحدتها العارمة وتنهض خاطية في البحر لتتحسس بأرجلها رماله الباردة عاجزة عن الالتفات الى ما خلفها وتخاطبهم قائلة:
أنا أُكتوبر الثورة، أنا هنا العراق!
أنا من قلت وداعاً حد الامتلاء
أنا من أراقت انفاسي في ضيء الابتلاء
أنا بقايا أكتوبر الآهات،
التي شابت من نحيب الأمهات
وملئ وجهها تجاعيد الذكريات،
التي فُنيت قرباناً للحياة
وسال دماها في جانبِ الطرقات
فلِأقول وداعًا لإنهاء خريف عمري
ولكن أهلًا بي معكم هذه المرة لعل روحي تودع الشداة..
وداعاً، وداعاً أيتها الحياة...
حوراء
@2m0a0y
تقديم : أستاذة زهراء عمار، أستاذة ضيء مولود
إعداد: غندة كريم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق