السبت، 2 يناير 2021

"صحوةُ ضميرٍ "

  

 



 

إنه السابع عشر من ديسمبر الشتوي الكئيب، الساعة الآن تحديدًا العاشرة مساءً وككُلِّ الليالي الشتوية المنقوعة بالحنين الحاد أشعل سيجارتي وأرفعُ صوتَ وموسيقاي البائسة كوجهي وأشرع بالكتابة والمدفأة على يميني تلفحني حرارتها وبينما تتدفأ أطرافي بالمدفأة كان قلبي يتدفأ بالذكريات التي تتسلل على استحياءٍ من قلمي الأسود الليلي ليشوّه وجه الورقة البيضاء الخالي من الهم والسواد!

كَكُلِّ الليالي أكتبُ لأنني بحاجة إلى أن أجدُ صديقًا أقصُّ له نهاراتي البائسة، نهاراتي التي لم تعرف وجه الشمس يومًا، نهاراتي صديقة الليل والظلمة.

لكن نهاري اليوم تميز ببزوغِ خيطِ شُعاعٍ من شمسنا التي تركتني قبل سنة من تاريخ اليوم تحديدًا.

استيقظت في تمام الساعة السابعة صباحًا بعزيمة الثكالى وبأملِ الجرحى وهم يُربِّتون على جروحهم بكلمات النصر الخاوية التي ماإن تشتد الآمهم حتى ترتطم بأقرب هاوية وتسقط أو ربما تنتحر!

خرجتُ إلى الشرفة فلفحتْ وجهي نسمة هواءٍ عليلة حتى شعرت بها وهي تتغلغل إلى رئتَي، كانتْ ليست باردة بل نسمة طفيفة عذبة، والشمس كانت مشرقة ككلِّ الأيام الربيعية التي لا تمتُ لبرودة الشتاء بصلة!

شعرتُ بالارتياح قليلًا ربما حان الآوان لأن أخرج من جُحري قليلًا  فمنذ الأول من ديسمبر حتى اليوم لم أغادر المنزل

كنت كنملةٍ اقتاتتْ غذائها لكي تتخبأ في الأيام الشتائية الباردة.

لكني لم اقتات غذائي لقد اقتتُ خيباتي وأحزاني وخبأتها في جحري واختبأت معها كي لا تستوحش!

وبينما كنت أصارع أفكاري وأنا أتفرج من الشرفة على أخوتي الصغار وهم يلعبون في الأسفل تذكرت مقهى المُتنبي الذي كانت لا تفصله عن منزلنا سوى بضع منازل وحديقته الجميلة التي لطالما كنت أرتادها لأفكر وأقرأ كتبي.

قررت الذهاب هناك  لأستجمع أفكاري قليلًا.

ارتديتُ ملابسي وهممتُ بالخروج وأنا أجر أقدامي المتثاقلة كنت كأني أنا من أسحبها وأرجوها أن تتقدم.

وصلتُ إلى هناك جلستُ على أحد  المقاعد الذي كان يطل على الحديقة وأنا أراقب أشكال الناس ووجوهم.

أخمن كم عدد الخيبات التي عبرتهم و

كم عدد الخيبات التي سحقتهم!

هل استطاعوا أن يجتازوها وهم كاملين

أم إنهم خرجوا منها أنصافًا مثلي ؟!

أفكر في ديسمبر الكئيب هل هو حقًا شهر النهايات كما قالت أثير عبد الله النشمي في روايتها في "ديسمبر تنتهي كل الاحلام"

أم إن ديسمبر الشتوي الذي يفوح رائحة الحنين يأتي ليثير في النفس المشاعر التي كانت مخبأة في جحرها طوال الأشهر الفائتة

يثير الخيبات، الانكسارات والهزائم

الأفراح المؤقته.

يعيدُ ترتيب الذكريات فقط لتخرج في النهايات كمشاهدٍ دموية سحيقة؟!

لربما كان ديسمبر أكثر الأشهر براءة وعفوية ولكنه لم يحظَ برفاهية البدايات

فجاءَ وعلى وجهه وصمة عارٍ تحمل قبائح الأشهر الفائتة!

وبينما أنا أحاول الإجابة على هذه الأسئلة التي لا تكلُّ ولا تتعب اخترقت أذني صرخة حادة تعود لأمراة في أرذل العمر

ألتفتُ مفزوعة فإذا بلصٍ لم أُميّز ملامحه تحديدًا لكنه كان يبدو كشابٍ في أوائل عقده الثاني سرق حقيبتها وهرب وبينما هي تصرخ وتركض خلفه أنا لم أحرك ساكنًا ظللت أحدق في المشهد بعينين متسمرتين، لم أهرع لأساعد العجوز، لم أركض خلف اللص

لم ولم لم!

ظللتُ أراقبها وهي تركض خلفه بأطرافها الهزيلة والمرتعشة، امرأة مثلها وفي عمرها تأتي إلى هكذا مقهى راقي تتصفح الكتب! وترتدي معطف من الجلد الطبيعي الفاخر ، لا أظن إن ما في الحقيبة ثمينٌ لدرجة أن تركض خلفها حتى أنني انتبهت على هاتفها المحمول كانت قد وضعته في جيب المعطف!

إذن لِمَ؟ وبينما عينيَّ متسمرتان على المشهد كأني أتفرج مسرحية سينمائية معروضة أمامي، انقضت العجوز على السارق وانتزعت حقيبتها من بين مخالبه وصفعته ووبخته وعادتْ وهي تحملها وابتسامة النصر تعلو وجهها.

رمقتني بنظرة كانت كافية لكي أفهم مايجول في أعماقها، نظرة اخترقتْ قشرتي بأجوبةٍ لم تكن قوتي كافية لكي انتزعها من يد الحياة عنوة.

كانت كمن يقول لي "صحيح مابداخل الحقيبة ليس مهمًا ربما وأستطيع شراء مئات الحقائب غيرها لكنها لي وحدي!

أنا المرأة السبعينة الهشة أملك من القوة الكافية لأن أدافع عن أشيائي وأتمسك بها ماذا عن الشابة العشرينية التي لم تحرك ساكنًا؟!

الشابة الصغيرة التي يبدو إنها فقدت إيمانها  في التمسك والدفاع عن أشيائها!

هل ظللتِ هكذا متسمرة بينما أحلامكِ تسرق أمام ناظريكِ مثلما تركتي اللص يسرق حقيبتي؟!

ماذا عنكِ؟!

أعتذر ياأثير فأنا الآن أيقنت بأن ديسمبر لم ينهِ كلَّ أحلامي أنا من أنهيتها بيدي

ديسمبر سيظل أكثر الاشهر براءة!

أعتذر لأنّي وبكل شبابي وعنفواني لم أستطع أن أُدافع عن أحلامي بينما العجوز دافعت ببسالة المقاتلين!

 المشهد لم يكن رثًا كان كل شيء عظيمًا، قويًا، صلبًا، متامسكًا لكنني أنا وحدي كنتُ رثة!

 

-زينة هلال عبد

@zan0_h

تقديم: أستاذة زهراء عمار، أستاذة ضيء مولود

إعداد غندة كريم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الاعضاء

اخلاص سعيد

المشاركات الاكثر شيوعاً